أبي منصور الماتريدي
120
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والأمويون يقاتلون الجميع ويرون أنهم ضالون مضلون ، « فظهرت المرجئة تسالم الجميع ، ولا تكفر طائفة منهم ، وتقول : إن الفرق الثلاث : الخوارج والشيعة والأمويين مؤمنون ، وبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب ، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب ، فلنترك أمرهم جميعا إلى الله ، ومن هؤلاء بنو أمية ، فهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فليسوا إذن كفارا ولا مشركين ، بل مسلمين نرجئ أمرهم إلى الله الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها » « 1 » . والحق أن هذه الفرقة قد وجدت لنفسها من مواقف بعض الصحابة تجاه الفتنة مستندا دعمت به وجهة نظرها ، بل يصح لنا أن نعتبر مواقف هؤلاء الصحابة البذرة الأولى التي نبتت منها المرجئة ، وتفصيل ذلك أن ثمة من الصحابة فئة لما رأوا الفتنة محدقة بالمسلمين ، ومقالة الكفر فاشية بين الناس جارية على ألسنتهم يرمون بها كل أحد مهما علا قدره وتميزت مكانته - : اعتصمت هذه الفئة من الصحابة بالصمت ، وأحجمت عن الانخراط في الفتنة ، وتمسكت بحديث أبي بكرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ستكون فتن : القاعد فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، ألا فإذا نزلت أو وقعت ، فمن كان له إبل فليلحق بإبله ، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه ، فقال رجل : يا رسول الله ، من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاة » « 2 » . ومن الصحابة الذين امتنعوا عن المشاركة في الفتنة عملا بحديث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : سعد ابن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وأبو بكرة راوي الحديث وعمران بن الحصين ، وروي أن سعد بن أبي وقاص كان يقول إذا سئل القتال : « لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يقول : هذا مؤمن وهذا كافر » . « وبهذا أرجئوا الحكم في أيّ الطائفتين أحق ، وفوضوا أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى . وقد قال النووي في ذلك : « إن القضايا كانت بين الصحابة مشبهة ، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ، ولم يقاتلوا ، ولم يتيقنوا
--> ( 1 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ( ص 442 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2212 ) كتاب الفتن باب نزول الفتن ( 13 / 2887 ) ، وأحمد ( 5 / 39 ، 48 ) . وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري ( 6 / 708 ) كتاب المناقب باب علامات النبوة ( 3604 ) ، ومسلم ( 10 / 2886 ) في الموضع السابق .